عبد الملك الجويني
435
نهاية المطلب في دراية المذهب
وعلى هذا حمل حاملون ما روي : " أن ابن عمر أقام على القتال بأذربيجان ستة أشهر ، وكان يقصر الصلاة فيها " ( 1 ) . ثم إذا قلنا : يقصر الغازي ثمانيةَ عشرَ يوماً ، أو قلنا : ذلك في التاجر ، فلو نوى أن يقيم ثمانية عشر يوماً ، وجزم قصده فيه ، فهل يقصر ؟ فعلى قولين : أحدهما - يقصر ، كما لو أقام على التردد ؛ فإن هذه المدة في حق هؤلاء ، كثلاثة أيام في حق المسافر الذي لا شغل له ، ثم لو نوى المسافر ثلاثة أيام ، قصر فيها ، وهذا لا يبين إلا بذكر صورة أخرى : وهي أن المحتاج إذا علم أن شغله لا ينتجز إلا في ثمانيةَ عشرَ يوماً ، فهل يقصر على قولنا : إنه يقصر لو كان على ارتقاب من النجاز على القرب ، أو على الاستئخار ؟ فعلى قولين على هذا القول : أحدهما - أنه يقصر كما لو كان على تردد . والثاني - لا يقصر ؛ فإن المتردد لا يكون مطمئناً إلى السكون ، والقاطع في الصورة الأخيرة ساكن مطمئن إلى إقامته ، فيعدّ من مضاهاة المسافرين . 1277 - فإذا ثبتت هذه الصورة ، عدنا إلى البحث عن الصورة المذكورة قبل هذا ، وهي أنه إذا جزم عزمه على الإقامة ثمانيةَ عشرَ يوماً ، فنقول : إن علم أن الشغل يتمادى إلى مثل هذه المدة ، فإذا جزم النية ، فهو الخلاف الذي ذكرناه أخيراً . فأما إذا كان على تردد في أمره ، وجزم نية الإقامة مع ذلك ، فهذا في تصويره عسر ؛ فإنا نقول : إن جزم على تقدير بقاء الشغل في هذه المدة ، فهو لا يدري أيبقى أم لا ؟ فهذا تردد وليس بجزمٍ للقصد ، وإن كان معنى قصده جزمَه أن يقيم في هذه المدة قاصداً ، وإن انتجز الشغل قبلها ، فلا معنى لذكر الخلاف في هذه الصورة ؛ فإن هذا رجل جزم نية الإقامة من غير تقدير قتال وشغل ، فالوجه أن تقطع الرخص عنه قطعاً ، وإن كان القتال دائماً ، أو غير ذلك من الحاجات ، على التفصيل المقدّم ؛ فإنه لم يربط قصدَ إقامته بالشغل ، بل جزمه وإن لم يكن شغل ، ولا يجوز خلافُ هذا الذي ذكرناه ، فهذا ما أردناه في ذلك .
--> ( 1 ) حديث إقامة ابن عمر وقصره بأذربيجان ، رواه أحمد والبيهقي بسند صحيح . قاله الحافظ ( التلخيص : 2 / 48 ح 610 ) . ( الفتح الرباني : 5 / 112 ح 1228 ، والسنن الكبرى : 2 / 152 ) .